فيلهلم ليبنخت

(1900-1826)


النشأة والتكوين الثوري

وُلد فيلهلم مارتن فيليب كريستيان لودفيغ ليبنخت في عام 1826 في مدينة غيسن الألمانية، وهو ابن الموظف الحكومي الهسّي لودفيغ كريستيان ليبنخت وزوجته كاتارينا إليزابيث هنرييتا (ني هيرش). بعد وفاة والديه عام 1832، نشأ في كنف أقاربه، وتلقى تعليمه المدرسي في صالة غيسن للألعاب من 1832 إلى 1842، ثم درس فقه اللغة واللاهوت والفلسفة في جامعات غيسن وبرلين وماربورغ.

تأثر ليبنخت في شبابه بأفكار الاشتراكيين الطوباويين مثل سان سيمون، كما تأثر بشخصية عمّ والدته القس الديمقراطي فريدريش لودفيغ فايديتس، مما شكّل مواقفه الاجتماعية والسياسية مبكراً. دفعه نشاطه الطلابي الراديكالي إلى التفكير في الهجرة إلى الولايات المتحدة، لكنه قرر في طريقه إلى ميناء الهجرة قبول عرض للعمل كمدرس غير مدفوع في مدرسة تقدمية في زيورخ بسويسرا عام 1847، حيث بدأ مسيرته الصحفية مراسلاً لصحيفة «مانهايمر أبندتسايتونغ».

المسيرة النضالية

1848: عند اندلاع الثورة في باريس، هرع ليبنخت إلى هناك، ثم انضم إلى فيلق كان متجهاً إلى ألمانيا لإشعال الثورة. اعتُقل في بادن بتهمة الخيانة العظمى، لكن ثورة جديدة اندلعت عشية محاكمته فأطلق سراحه. أصبح عضواً في «الحرس الشعبي البادني» ومساعداً للثوري غوستاف فون شتروفه، وشارك في معارك الدستور الفيدرالي.

1849-1850: بعد هزيمة الثوار، فرّ إلى سويسرا حيث انضم إلى «جمعية العمال في جنيف» وتعرف على فريدريك إنجلز. في عام 1850، اعتُقل بسبب مبادراته لتوحيد الجمعيات العمالية الألمانية في سويسرا وطُرد من البلاد، فانتقل إلى لندن.

1850-1862: أمضى ليبنخت 13 عاماً في المنفى في لندن، حيث أصبح عضواً في «رابطة الشيوعيين» وطوّر صداقة وتعاوناً مدى الحياة مع كارل ماركس. كان جزءاً من عائلة ماركس، واعتُبر بيته مأوى للثوار واللاجئين. كسب رزقه بشكل متواضع من الدروس الخصوصية والمحاضرات والمراسلة الصحفية.

1862: بعد صدور عفو عام عن المشاركين في ثورة 1848/1849، عاد ليبنخت إلى ألمانيا وانضم إلى «الجمعية العامة للعمال الألمان» (ADAV) التي أسسها فرديناند لاسال.

1864-1865: عمل في مجلة «دير تسوتسيال-ديموكرات» التي كان ينشرها يوهان بابتيست فون شفايتزر، لكنه سرعان ما اختلف مع التوجه المؤيد لبروسيا، فاستقال من هيئة التحرير وطُرد من الجمعية تحت ضغط شفايتزر. بعد إبعاده من برلين، انتقل إلى لايبزيغ حيث تعرّف على أوغست بيبل.

1866: أسس مع بيبل «حزب الشعب الساكسوني» الذي دخلا به البرلمان الألماني الشمالي.

1869: في مؤتمر آيزناخ، أسس ليبنخت وبيبل «الحزب الاشتراكي الديمقراطي للعمال في ألمانيا» (SDAP) وربطاه بـ«الأممية الأولى». أصبح ليبنخت أحد قادة الحزب وأشرف على صحيفة «دير فولكشتات».

الموقف الثوري من الحرب الإمبريالية

عند اندلاع الحرب الفرنسية-البروسية عام 1870، كان ليبنخت من أبرز المعارضين الاشتراكيين للحرب. في البرلمان الألماني الشمالي، كان هو وبيبل العضوين الوحيدين اللذين امتنعا عن التصويت على الاعتمادات الحربية، معلنين معارضتهما لحرب سلالية تخوضها حكومات ملكية. بعد هزيمة نابليون الثالث في معركة سيدان، صوّتا ضد المزيد من الاعتمادات الحربية وتحدثا ضد ضم الألزاس واللورين.

أدت مواقفهما المتشددة إلى اعتقالهما بتهمة الخيانة العظمى في ديسمبر 1870. في «محاكمة الخيانة العظمى في لايبزيغ» عام 1872، حُكم على ليبنخت وبيبل بالسجن سنتين في قلعة. خلال المحاكمة، أعلن ليبنخت مقولته الشهيرة: «أنا لست متآمراً محترفاً؛ ولست فارساً من فرسان التخريب. لكن لا مانع لديّ من أن تصفوني بجندي الثورة» — وهو ما أكسبه لقب «الجندي» (der Soldat) في الحزب.

توحيد الحركة الاشتراكية الألمانية

1874: بعد الإفراج عنه، انتخب عضواً في الرايخستاغ الألماني، وأصبح المهندس الرئيسي لتوحيد الحركة الاشتراكية.

1875: في مؤتمر غوتا، قاد ليبنخت عملية دمج «الحزب الاشتراكي الديمقراطي للعمال» (SDAP) مع «الجمعية العامة للعمال الألمان» (ADAV) لتأسيس «حزب العمال الاشتراكي الألماني» (SAP). كان المؤلف الرئيسي لـ«برنامج غوتا»، الذي انتقده كارل ماركس بشدة في كتابه «نقد برنامج غوتا»، لكن ليبنخت دافع عن الوحدة باعتبارها الأهم، معتبراً أن اعتماد تنظيم حزبي ديمقراطي ينهي البنية الديكتاتورية اللاسالية كان انتصاراً أكثر حسماً من أي تنازل برنامجي.

1876: أصبح ليبنخت محرراً لصحيفة «فورفيرتس» (إلى الأمام) الناطقة باسم الحزب الموحد، ودعا في مقالاته إلى تطبيق النظرية الماركسية في برنامج الحزب.

1878-1890: تحت «قانون الاشتراكيين» الذي سنّه بسمارك، استخدم ليبنخت موقعه كعضو في الرايخستاغ — وهو منصب يمنحه حصانة من الملاحقة — للحفاظ على هيكل الحزب وتوجيه الانتقادات اللاذعة للأوضاع السياسية. في خطاب بالرايخستاغ، أعلن: «لقد حُظرت الحرية معنا... وستُقدَّم التضحية بالحرية. فلتقع المسؤولية عن هذه الخطوة على من يقومون بها». في عام 1879، ساعد في تأسيس الجهاز السري للحزب «دير تسوتسيال-ديموكرات» الذي كان يُنشر في زيورخ ويُهرب إلى ألمانيا.

خلال هذه الفترة، واجه الحزب انقسامات داخلية بين جناح راديكالي بقيادة يوهان موست دعا إلى الثورة العنيفة، وجناح معتدل فضّل المسار الإصلاحي. نجح ليبنخت وبيبل في Navigate هذه الصراعات، وطُرد موست من الحزب في المؤتمر السري في فيدن بسويسرا عام 1880.

السنوات الأخيرة والإرث

1890: بعد انتهاء «قانون الاشتراكيين»، عادت صحيفة «فورفيرتس» للظهور كجهاز مركزي لـ«الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني» (SPD)، وأصبح ليبنخت رئيساً لتحريرها حتى وفاته.

1891: في مؤتمر إرفورت، ساهم ليبنخت في صياغة البرنامج الجديد للحزب المستند إلى النظرية الماركسية، والذي كان من أكثر التعبيرات اكتمالاً عن الأفكار الاشتراكية الديمقراطية في القرن التاسع عشر.

1896: حُكم عليه بالسجن أربعة أشهر بتهمة إهانة الذات الملكية، لكنه ظل ناشطاً في المؤتمرات السياسية حتى 28 يوليو 1900.

واصل ليبنخت نشاطه في «الأممية الثانية» وشارك في العديد من المؤتمرات الاشتراكية الدولية في فرنسا وإنجلترا وسويسرا والولايات المتحدة.

توفي فيلهلم ليبنخت في 7 أغسطس 1900 في شارلوتنبورغ بالقرب من برلين، وحضر جنازته أكثر من 150,000 شخص.

الإرث الثوري

يُعتبر فيلهلم ليبنخت أحد الآباء المؤسسين للحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني، وأحد أبرز قادة الحركة العمالية الألمانية في القرن التاسع عشر. جمع في مسيرته بين النظرية الثورية الماركسية والنشاط السياسي القانوني، وقاد الحزب الاشتراكي الديمقراطي من طائفة صغيرة إلى أكبر حزب سياسي في ألمانيا. وهوالد الثوري كارل ليبنخت (1871-1919) الذي استشهد في ثورة سبارتاكوس، وابنه الآخر تيودور ليبنخت كان أيضاً سياسياً اشتراكياً.